ابن قيم الجوزية
90
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
على عبده ، فكيف برب العالمين الذي إنما يتقلب الخلائق في بحر منته عليهم ، ومحض صدقته عليهم : بلا عوض منهم البتة ؟ وإن كانت أعمالهم أسبابا لما ينالونه من كرمه وجوده . فهو المنان عليهم . بأن وفقهم لتلك الأسباب وهداهم لها ، وأعانهم عليها ، وكملها لهم ، وقبلها منهم على ما فيها ؟ وهذا هو المعنى الذي أثبت به دخول الجنة في قوله بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * . فهذه باء السببية ، ردا على القدرية والجبرية ، الذين يقولون : لا ارتباط بين الأعمال والجزاء ، ولا هي أسباب له ، وإنما غايتها أن تكون أمارات . قالوا : وليست أيضا مطردة ، لتخلف الجزاء عنها في الخير والشر . فلم يبق إلا محض الأمر الكوني والمشيئة . فالنصوص مبطلة لقول هؤلاء : كما هي مبطلة لقول أولئك ، وأدلة المعقول والفطرة أيضا تبطل قول الفريقين ، وتبين لمن له قلب ولب : مقدار قول أهل السنة . وهم الفرقة الوسط . المثبتون لعموم مشيئة اللّه ، وقدرته ، وخلقه العباد وأعمالهم ، ولحكمته التامة المتضمنة ربط الأسباب بمسبباتها ، وانعقادها بها شرعا وقدرا ، وترتيبها عليها عاجلا وآجلا . وكل واحدة من الطائفتين المنحرفتين تركت نوعا من الحق ، وارتكبت لأجله نوعا من الباطل ، بل أنواعا ، وهدى اللّه أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه 2 : 213 وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * و 62 : 4 ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * . فصل الصنف الثالث : الذين زعموا أن فائدة العبادة : رياضة النفوس ، واستعدادها لفيض العلوم عليها . وخروج قواها عن قوى النفوس السبعية والبهيمية ، فلو عطلت عن العبادات لكانت من جنس نفوس السباع والبهائم ،